18
نوفمبر
2018
أصابع أبو طه
نشر منذ Nov 18 18 pm30 08:29 PM - عدد المشاهدات : 313

أصابع أبو طه
نعيم عبد مهلهل
وعيت على طفولتي في علوة للحنطة والشعير يملكها ابي في سيف الحبوب المحاط بأسواق الصاغة والندافين والصفافير في الناصرية ، وكنت حين أعود مع ابي من عمله في المساء اتصنع العطش لأجبر أبي ان يشتري لنا قنينة بيبسي كولا ، نتقاسمها انا وهو من رجل بصير يسمونه ( أبو طه ) له حانوت صغير في اول الشارع الذي يربط بين سوق الصابئة وسوق الندافين.
كان لديه صندوقا كبيرا من الخشب يملأه بالثلج ويمد يديه ويتحسس القناني فيعرف من هو البيبسي ومن هو الكوكا كولا ومن هو السفن آب او الميرندا . وطالما حاولنا نحن الأطفال ان نخدعه بعملة علاها الصدأ او خمسة فلوس ملكيه ، فعندما يتحسسها بأصابعه ويمررها على الوجه المنحوت في العمل للملك الذي مات مغدورا في ثورة تموز يرد علينا :
ملاعين هذا زمن الزعيم ، والملك ذهب مع قدره ونصيبه ، ثم يرميها علينا بحسرة اسف وكأنه حزين على مشهد قتل الملك بهذه الطريقة بالرغم انه ( أعمى ).
كنا نحسد الحاسة العجيبة التي يمتلكها طرف أصبعه ليعرف قيمة ومدى صلاحية العملة المعدنية.
كبرنا وكبر ياسين أبو طه ، وذهبت أزمنة الثلاجة الخشبية الى ثلاجات الشركة الأفريقية ومجمدات الدربي الدنماركية ، وربما عشق أبو طه لثلاجته الخشبية وتبدل الأوضاع نحو حداثة لم يألفها هو !ذ لم يعد الأطفال والصاغة والمارة يرغبون البيبسي المبرد بالثلج فصاروا يضعونه هم في ثلاجة صغيرة في محلاتهم.
ترك أبو طه محله ، وربما انزوى في بيته لسنوات ، وهو يحزن لخفوت سحر ومهارة أصابعه انها لم تعد تتحسس النقود المعدنية لتميز منها الجمهوري من الملكي.
فجأة في تسعينيات القرن الماضي رأينا أبو طه في مكان اخر يجلس خلف ميز الحساب ( الدخل ) في مطعم فتحه اخوه المرحوم الحاج جبار ( أبو أمين ) ونال شهرة كبيرة على مستوى الناصرية والعراق إذ تميز كبابه بمذاق غريب وطيب ـ وقد فتح المطعم بأسم مطعم كباب ذي قار في شارع النيل قرب ساحة الحبوبي ، سرعان ما اقترن المطعم بأسم أبو طه ، فسموه مطعم ( الأعمى ).
أقف امام أبو طه ، أرى في عينيه المغمضتين ذكريات طفولة الفانتا والميرندا والسبرايت والمشن. وعبارة ( قف وانتعش ) التي توزعها البيبسي كولا كأعلان دعاية لها على المحلات. أرى في عينيه وجه ابي ، وأحلام الفقر ونحن نتقاسم معا شرب القنينة الباردة.
لكنه حول قدرته العجيبة الآن مع النقود الورقية ، فلقد اختفت وانقرضت النقود المعدنية ، وغادر الملك عملته ليجلس مكانها صدام في ورقة الخمسة وعشرين دينار ، وكان تزوير العملة على اشده أيام الحصار ، وبذات القدرة العجيبة التي تمتلكها أصابع أبو طه ، كان يعرف ورقة النقد المزورة من غير المزورة وكان يعرف كم هي فئة هذه الورقة ليعيد الى الزبون ما تبقى له من مبلغ.
العشق بين ورقة النقد وأصابع أبو طه ، هو نتاج الموهبة التي منحها له الله ليعيش بكرامة ويعمل كل حياته.
الآن الجميع رحلوا الى السماء راكبين عربة الذكرى ، ابي وأبو طه وأبو أمين.
ما الذي تبقى ...؟
الذي بقيَّ ذلك العطر المثير لذكرياتنا مع تلك الأرواح الرائعة.

صور مرفقة






أخبار متعلقة
مشاركة الخبر
التعليق بالفيس بوك
التعليقات
استطلاع رأى

هل تؤيد المظاهرات المطالبة بحل مجلس النواب العراقي ..

155 صوت - 30 %

19 صوت - 4 %

عدد الأصوات : 513

أخبار
التوقيت الان
تابعنا على الفيس بوك
حالة الطقس
booked.net
عداد الزوار
Flag Counter